Friday, April 17, 2015

عندى مشكلة فى التعبير





مش قصدى التعبير اللى فى امتحان اللغة العربية (دة كان من الأجزاء المفضلة فى الامتحان هو والنحو) ... لكن مشكلتى فى التعبير الشفوى ! يعنى صعب علىَّ جداً الكلام عن حاجة حاسة بيها, رغم إنى بعرف أصيغ الكلام كويس "كتابةً" , لكن مش بعرف أبداً أقوله  شفوى بلسانى (حتى لو نفس الكلام لنفس الأشخاص) ... يعنى مثلا صاحباتى, مش بعرف أقول لهم إنى بحبهم شفوى , ممكن أقولها ف بوست على النت , فى كارت , فى مسدج على الموبايل , إنما عمرى أبدا ما قلتها شفوى ... مش بعرف ! حتى ماما و بابا وأخويا , عمرى ما بقول لحد منهم يا حبيبى أو يا حبيبتى , مش بعرف , مهما كنت حاسة الكلمة.

زمان (مش زمان أوى يعنى , لحد عهد قريب جداً) كنت معتقدة إن ماحدّش فى الدنيا فاهمنى , وكنت بتضايق لما أحس إنى فى عز الزعل والضغط ماحدّش بيقول لى "مالِك" ولا بيطبطب علىَّ أو يحضُنّى مثلاً ... كنت بعتبر دة عدم اهتمام من المحيطين , والمشكلة المؤلمة لو الناس دى قريبة منى ... بس مؤخراً بدأت أبص للموضوع  بنظرة مختلفة , ما يمكن أنا اللى مش بعبّر عن مشاعرى , ما يمكن مش باين علىَّ إنى متضايقة (بحكم إنى شخصيتى قوية ) .. لما بدأت أقرأ عبقرية عُمَر للعقاد , كانت اللغة فيه صعبة جداً, وقتها قلت "العقاد دة أسلوبه مُعَقَّد جداً" ... ماقلتش إن أنا اللى ضعيفة فى اللغة العربية, لأ, هو اللى أسلوبه مش مفهوم .. بنفس الطريقة , لو الآخرين مش فاهمينّى ممكن تكون دى مشكلتى أنا.

وما يزيد المشكلة عُمقاً إنى حتى بعدما عرفتها, مش هاقدر أحلها ! مش بس لأنى مش هاقدر أتغلب على طبيعتى كإنسانة لا تميل للكلام بقدر ما تميل للكتابة , إنما كمان لأنى لما بنطق الكلام بيتحول الموقف لدراما تركية ! ممكن أعيط مثلاً لما أتكلم مع واحدة صاحبتى وإحنا قافشين على بعض, مش هاقدر أتحكم فى مشاعرى ... وبالتالى , حتى لما بقرر أتكلم فى حاجة مهمة معنوياً, بينتهى الموضوع لأنى ساكتة وبسمع الطرف الآخر وخلاص ... كمان صعب جداً الإنسان يطلب التعاطف من الآخرين, فا أكيد مش هاعبّر عن مكنونات صدرى فى سبيل كلمة حلوة حد هايتبرع بيها لما يسمعنى من باب التعاطُف , يكفينى إرهاقاً كتمانى لما أحتاج قوله

كمان أحياناً ممكن أبتسم بعد سماع كلمة عابرة من حد وتكون جارحة ... غالباً هاعمل نفسى ما خدتش بالى , هافوّت , ومش هاتوقف عندها كثيراً (أمام قائلها) مهما كانت مؤلمة ... كتير بضحك على حاجات مزعجة لمجرد إنى مايبانش علىَ التأثُّر .. وكتير بسمع كلام مش عاجبنى ومش بعلّق عليه , وكتير بكون عارفة إن فيه ناس واخدة عنى فكرة خاطئة بس مش بتعب نفسى فى تصحيحها , مش مهتمة أغير وجهات نظر الناس عنى , ليست عندى هذه الطاقة , وهم ليس عندهم القدرة على التمييز .. وفى الحالتين , لا يهمنى إلا أن أكون سائرة فى الطريق الصحيح وليحتفظوا هم بأفكارهم السلبية السيئة لأنفسهم 

عموماً , يمكن اكتشاف إنى أنا اللى عندى مشكلة فى التعبير عن مشاعرى دة يخلينى أتصالح أكثر مع المحيطين بى , ولا ألومهم على غموضى ولا مشاكلى التى لا يعلموها .. لعل هذا الاكتشاف يُسَهّل حياتى ويقلل من عقدة الاضطهاد عندى .. ولعل الله يهدى سيئى الظن وينير بصائرهم كى يميزوا الخبيث من الطيب .. ومين عارف, ما يمكن ربنا يرزقنى بحد يفهم صمتى ويكون بيوزّع كلام حلو وتصرفات أحلى طول الوقت سواء عندى مشكلة أو لأ ... ولكل الناس اللى مش بكلمهم , أنا مش بحب ومش بافضّل ولا برتاح فى الكلام , ومش ببعت رسائل أو بوستس على النت كنوع من الاستسهال أو توفير الوقت , لأ, لكن دى (الكتابة) هى وسيلتى الأكثر تعبيراً وأُلفة للتواصُل

فدوى نزار

Wednesday, December 17, 2014

لا حياءَ في السِنّ

بالفعل , لقد بلغت اليومَ من الكِبَرِ عِتِيّا

لا أدري تحديداً سبب خجل البعض من التصريح بأعمارهم الحقيقية , رغم ما تعنيه زيادة سنوات العُمر من نُضج وتجارب وخبرات ومواقف متنوعة ودروس حياتية , فالإنسان ما هو إلا نتاج الأيام المتوالية التي يحياها بكل ما تحمله من مشاعر وانفعالات وصعوبات وعثرات ونجاحات وإحباطات وتحديات ... وكلما مَرّ العُمر كلما تم صَقل الإنسان وتشكيله وصياغته

بلغت عامي التاسع والعشرين , ولا أدري - بالطبع - كم بقي لي من الزمن في هذا العالم , علي الأرجح لم يعُد بالعُمر أكثر مما مضى ... لا أملك تقييم تجربتي لأن الحُكم علي عَمَلٍ ما يكون للجماهير وليس للمشاركين في العَمَل أنفسهم , جَلّ ما أستطيعه محاولة التجويد والتحسين والتَعَلُّم كي أجعَل عَمَلي أفضل بشكلٍ يُرضيني بالدرجة الأولى

ولا أرغب في تحليل التفاصيل المحيطة بي أو سرد حكايتي علي مدار ال 29 عام .. لأني علي يقين تام أن لكل إنسان علي وجه الأرض قصة ولا مجال لحصر وتوثيق قصص ملايين البشر علي وجه البسيطة , بل كُلٌ يأخُذُ روايتَه معه تحت الثرى , ولن أشرع في وَعظ الآخرين كي يجعلوا حياتهم لهدف معين أو تركِ أثرٍ معين لأنه ليس بالضرورة أن أكون عالِماً أو أترك للبشرية اختراعاً أو اكتشافاً كي تصبِحَ حياتي مؤثرة ... فأنا شخصياً تأثرت وأتأثر يومياً بابتسامة شخصٍ ما في وقتٍ عبس فيه الجميع , وبالتالي فهذا الشخص له من الأثر لدى ما يفوق أعظم مخترعي البشرية .... أقل فعل أو قول في يومٍ عادىّ يؤثر في البشرية

الغريب, أن بعض سنين العُمر تكون أطول , وأبطأ في المرور , وأقسي في دروسها , وأكثر إيلاماً من غيرها ... 2014 بالنسبة لي  أحد هذه الأعوام ... وكأني عشت فيه عُمراً بأكلمه .. عانيت درجةً من الحُزن لم أعتقد أنها توجد من الأساس , جرّبت عملياً معنى أن يؤثّر الألم النفسي علي روح وبدن الإنسان , أدركت أن مقولة "وجع القلب" حقيقية جداً فالحزن يمكن أن يعتصر - حَرفياً - قلب المرء , وأيقنت أن هناك بعض الحالات يفقد فيها المرء السيطرة حتي علي عقله مهما كانت إرادته حديدية ... جرّبت معنى أن يقف المرء عاجزاً أمام موقِفٍ قد يكون سبباً في قلب حياته رأساً علي عقب , ولكن لا يملك له رداً أو منعاً .. رأيت بنفسي أن القيام بشيء ما بنيّة الخير والإصلاح قد يُفهَمُ خطأً بل وقد تُعاقَب عليه بقسوة من كل الأطراف المعنية ... عانيت من صراع عقلي الرافض للاستسلام لحالتي النفسية , وأطرافي التي تأبى التحرّك وكأنها مشلولة لا تقوى علي حملي .. وجدت أن كل طاقات السعادة والتفاؤل يمكن أن تنهارَ فوراً أمامَ شعورٍ واحِدٍ كالفراق ... وأحمد الله أن كانت لدىّ تلك الطاقات كحائط صدٍ مبدأيّ في مواجهة تلك العاصفة العارمة , فبدون الرصيد الكافي من الطاقة الإيجابية لم أكن لأحتمل آثارها , ففي لحظة ما ظننت - حرفياً - أن الحُزن سيقتلني , وأني يوماً ما سأغمض عينيّ للأبد من كثرة ذرفها لدموعٍ تحمل مزيجاً من الألم والعجز والخوف  والندم والترقُّب .... لكن شاء الله أن أعاننى علي الاحتمال, رغم خوفي الحاليّ من موجةٍ جديدة ستأتي بعد نفاد كل الطاقات وهزال كل الجوارح , وكل ما أخشاه - وأتوقعه - أن يتحجر القلب وتجف العيون فيتحول الجسد إلي آلةٍ بلا روح , ويصبح العالَم فاقداً لأسباب البقاء

بالفعل , يمكن في عامٍ واحِدٍ فقط أن يُصبِحَ الشابُ كهلاً 

فدوى نزار



Wednesday, November 26, 2014

الطاقة المُستَنفَدة


لا أقوى علي فعل شيء ... حتي التحدُّث إلى الآخرين أصبح مشقة لا أرغب في خوضها ... أتمنى الانعزال التام عن العالم , حيث لا توجد مهام ولا مسئوليات ولا التزامات أو إجبار علي أي شيء من أي نوع ... لا أضطر لرسم بسمة لا أشعر بها ولا مجاملة لا أعنيها أو لقاء أشخاص لا أريد أن أراهم أو تقّبُّل كلام ما من أحد لا يمثل لي أدنى أهمية

كل تفاصيل الحياة أصبحت مُرهِقة , كل المواقف اليومية خانقة , وكل المحيطين لا يفهمون ولا يُقَدّرون ... لا أدري تحديداً ما يضير الآخرين في إعطاء إنسان ما حقه في فترة من السكون والسلام النفسي .. لِمَ لا يملك الفرد القدرة علي تحديد نطاقٍ ما لايمكن لأحد اختراقه أو حتى الاقتراب منه

حين أصل لتلك المرحلة , لا أرغب إلا في الوحدة ... الابتعاد عن كل ضوضاء هذا العالَم وكل تعقيداته وضغائنه وسوء ظنه وظلمه وسرعته وضغوطه ... أكون معي فقط , لا أسمع أحداً ولا أتكلّم مع أحد , أختار ما أرغب فعلا في عمله وقتما أشاء , لا يُنتَظَر مني إرضاء الجميع علي حساب نفسي , ولا يغضب مني أحد - دون مبرر منطقي - لمجرد أن قلت ما أشعر به دون ترقيع .. لكن حتي حرية الانفراد بالنفس غير مكفولة وأمل الابتعاد أصبح مستحيلاً وحُجة الرفض واهية وكاذبة

حقاً سئمت واستُنفِدَت كل طاقاتي وأصبحت غير قادرة على التحمُّل لا بدنياً ولا نفسياً .. ولا أدري متى تهدأ نبضات قلبي المتسارعة لأنى أنهكتنى ملاحقتها

يا الله .. ليس لها من دونك كاشفة

فدوى نزار

Saturday, April 12, 2014

الزواج ... بعد تفكيرِ عميق

زمان , ماكنتش بحب أتكلم عن موقفي من الزواج , ليه ؟ لأني عارفة إنه موضوع ممكن تغيير الرأي بخصوصه طبقاً للمرحلة العمرية ومدى النُضج والتجارب الحياتية ... يعني, كل وقت ممكن يؤدي إلي وجهة نظر مختلفة .... ليه دلوقتي قررت أكتب عنه بحرية (مؤخراً يعني) ؟ ببساطة لأني وصلت لمرحلة الثقة في رأيي ... أصبح موقفي راسخ وقوي وصعب التغيير حتي في المراحل القادمة من عمري , إن كان ليا عمر

يمكن أي قرار مصيري في الحياة بيبقي صعب , ومحتاج تفكير وتحليل وتدقيق , ودة فعلا اللي حصل ... السؤال المبدأي , ليه البنت "مفروض" تتجوز ؟ 
 1-    عشان أهلها مش باقيين لها !! ... طيب ما ممكن تتجوز وجوزها نفسه يموت ويكون مش باقيلها هوة كمان , ويا سلام لو كانت خلّفت منه , يبقي مات وساب لها العيال كمان تشيل مسئوليتهم , دة غير إن بدل ما تحزن علي أهلها بس هاتحزن علي جوزها كمان
2- عشان يبقي عندها "راجل" يشيل مسئوليتها !!... الأيام دي البنت بعون الله شايلة مسئولية نفسها كويس جداً ولم يعد وجود "الراجل" مسألة حياة أو موت بالنسبة لها بالعكس دة الزوج ما هو إلا مسئولية جديدة تضاف علي قائمة المسئوليات اللي البنت هاتشيلها , البيت والعيال والزوج والشغل 
3- عشان ما تفضلش طول عمرها وحيدة !! ... بيتهيألي وحيدة وبالها مرتاح أحسن من إنها تعيش مع واحد ممكن يحول حياتها لجحيم مقيم وتقضي عمرها خناقات ومشاحنات ووجع دماغ
4- الكينج بقي , اتجوزي عشان تبقي أم !! ... سبب كوميدي الحقيقة , ببساطة لأن ممكن ربنا مايرزقش البنت بنعمة الخلفة , ويبقي ساعتها أخدت مقلب العمر , اتسجنت مؤبد مع واحد كان بالنسبة ليها مجرد جهاز تفريخ , والمؤبد هنا مش 25 سنة لأ , دة طول العمر لحد ما واحد منهم ييجي أجله
5- هايفسّحك ويوريكي الدنيا !! ... لأ معلش , دة أنا لما هاحب أشوف الدنيا لازم أستأذنه , وهوة يرفض أو يقبل (حقه طبعا) بس ممكن يرفض بدون أي سبب مقنع , ومش بس يرفض ييجي معايا لأ دة يرفض إني أخرج أو أسافر, أو هايوافق ويفضل كل 3 دقايق يتصل روحتي فين وجيتي منين واتأخرتي ليه ... بالإضافة لأن برضه الزمن دة البنات منغير ما تتجوز بتخرج وتتفسح وتشوف الدنيا ... بالعكس دة الجواز هو نهاية مرحلة الفسح بالنسبة للبنت
6- الجواز سنة الحياة !! ... مين اللي حط السُنن الحياتية دي ؟  إحنا , البشر , يعني رسمنا خطوط وأجبرنا أنفسنا علي المشي عليها بحذافيرها
7- الجواز نص الدين !! ... بالنسبة لي مستعدة أعمل علي تحسين النص الأولاني ولما (بفضل الله) أصل للتقوى والاستقامة والهداية من عند ربنا أبقي وقتها أحس إن النص الأول اكتمل وباقي النص التاني (دة بالإضافة لأني مش مقتنعة إطلاقا بالمقولة دي) مفيش حاجة أبدا ممكن تكون نص دين لأي حد
8- اتجوزي عشان نفرح بيكي !! ... أكيد نفسي أفرّح أهلي بكل الطرق الممكنة , لكن مش عشان هما يفرحوا ليلة أنا يتنكّد عليا بقية حياتي

طيب بلاش أسباب الزواج , خليني أفكر في مواصفات الزوج المناسب 
1- شكله حلو ( دي مش رقم واحد بس هامشيها واحد يعني) .. طيب ما ممكن تحصل له حادثة ويتشوه
2- غني ... الأيام دي مفيش أي حاجة مستقرة , ممكن يفلس الصبح
3- جدع ... للأسف الجدعنة دي مسألة نسبية , ممكن يكون جدع مع الناس كلها ويستندل معايا علي أساس إن زيتنا في دقيقنا
4- ابن ناس ... مش بالضرورة إنه يكون كويس لمجرد إن أهله كويسين , يخلق من ظهر العالم فاسد والعكس
5- متفهم ومتفتح ... سبحان مغير الأحوال , في لحظة ممكن الحاجات اللي كان فاهمها ومتقبلها , تتحول لوقود كل الحرائق الأسرية القادمة
6- ذكي ومتعلم تعليم عالي ... غالباً الولد دة هايبقي عايز يتجوز بنت ذكية ومتعلمة برضه , وبالتالي هايبقي بينهم صراع أزلي لو حس أو تخيل إن نجاحها بيزيد وممكن يطغى علي نجاحه , وهاتبدأ مرحلة تثبيط العزائم وبيتك أولي بيكي وإيه لازمة الشهادات والمذاكرة 

كدة التفكير مش هايخلص , وكل الأسباب والمبررات اللي بيقودها المجتمع عشان يحاول يوضح ضرورة الزواج ما هي إلا حجج واهية وأسباب غير مقنعة ولا منطقية ومجرد كلام فارغ ليس له أي أساس من الصحة

إذاً .. هل الزواج كمبدأ مرفوض من أساسه وتجربة فاشلة بكل المقاييس ؟ ... لأ طبعاً , لأن كل إنسان تختلف آراؤه وتوجهاته عن الآخرين وبالتالي ممكن ناس تقتنع بكل الأسباب السابقة وتحيا سعيدة ... لكن بالنسبة لي , السبب الوحيد اللي ممكن يؤدي لأني أُقبل علي خطوة الزواج هو فقط "الحُب" .. الحُب هو ما يجعل كل مصاعب الحياة تهون , يجعل عيوب كل الأطراف غير مرئية ... الحب وحده يكفي لجعل العالم أجمل

باختصار , وبعد أكثر من ربع قرن حياة في هذا العالم , وبعد كل لقاءات الصالونات أو حتي المطابخ , أدركت نهاية واحدة بسيطة جداً, أني لو لم أحب , فلن أتزوج

للعلم رقم واحد في صفات العريس بلا منازع هي التدين ... وهي رقم واحد في الحب كمان , مش هأتمن حد أو أثق في إنه بيحبني لو ما كانش بيحب ربنا وحريص علي دينه

فدوى نزار

Wednesday, December 18, 2013

لقد هرمت .. 28 عاما


أتعجب من نظرة البعض لسنوات العمر , وكأنها محطات قطار وحيد الوجهة , لو فاتتهم فلن تعود ... نعم هي لن تعود , ولكن ثمارها ستبقي للأبد , فالعمر كالشجرة , ما تفعله في السنوات المختلفة إما سيؤدي إلي ظلال وارفة وثمار ناضجة أو إلي شجرةٍ ذابلةٍ مُتكسرة الفروع


بالفعل لا يمكن للزمن الرجوع للخلف , لكن يمكن خلاله العمل للمستقبل , وبالتالي حتي لو عاد للخلف لكرر الإنسان نفس الخطوات ونفس الأفعال لكي يصل لنفس الحاضر ويصنع نفس المستقبل


أعترف أن الكمال لله وحده , وأنه لا يوجد إنسان علي وجه الأرض لا يُخطئ ... ولدي الجميع نقاط محددة في حياتهم يتمنون محوها أو تصحيحها لسبب ما .. لكن هذا تحديداَ ما يجعل للعالم معنى ! فلو لم نرتكب الأخطاء , لن نعرف الصواب , لو لم نكتشف عيوبنا فلن نتفاداها , وهكذا


عند تقييمي لما مضي من عمري , أجد العديد من الثغرات التي أتمني ملأها , أخطأت كثيراً (بطبع كون النفس أمارة بالسوء) اتخذت بعض القرارات التي اكتشفت أن أضرارها أكبر من منافعها , وضعت ثقتي ببعض من لا يستحقوها ونزعتها ممن هم أهل لها ... لكن بصفة عامة , تعلمت الكثير (ومازلت) وأدركت أني أحب حياتي كما هي (كما كتبها الله لي ووفقني إليها) .. ولا أتخيل أني أحيا بطريقة أخري أو في أحداث أو مع أشخاص آخرين ... بالفعل كُلٌ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له ... وعلي كل المحاور وبكل المقاييس لن يكفي ما بقي لي من أيام أن أشكر نعم الله عليّ , وإعانته لي في كل الأوقات حتي رغم تقصيري


اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وواسع قدرتك وعظيم سلطانك .. اللهم لك الحمد حتي ترضى

فدوى نزار

Monday, November 18, 2013

بين العامية الهشّة والفُصحى الرقيقة




مؤخراً ... صارت معظم كتاباتي بالعامية أو الإنجليزية ... حتي أصبحتُ أشتاقُ لرُقيّ اللغةِ العربيةِ الفصيحة ... أفتقِدُ رصانتَها ووقارَها وجودة صياغتها والموسيقي الطبيعية النابعة من حروفها المجدولة بحِرفِيّة في تناغمٍ يأسِرُ الأذهان

حين يصادفُني في زحام الحياةٍ أحد النصوص أو إحدي القصائد ... أشعر بالكلمات وكأنها رُسِمَت بريشةِ فنّانٍ حالِم يعتزُّ بلوحته لدرجةٍ تمنعه من ابتذالها بطريقةٍ عاميةٍ مُهينة , فتجعله ينتقي أفضل الطرق التعبيرية وأثراها , فتصل للقارئ حاملةً معها أنقي مشاعر كاتبها وجُزءاً من عُمرهِ الذي قضاه في حياكتها والتنقيب عنها في أعماق قلبه ووجدانه

ما أعذبَ اللغةِ العربيةِ , وما أجملَ حروفِها التي يزيّنها التشكيل كما يُزيّنُ صانعُ الحلوى كعكاتِ الزفاف ... فيُعطيها روحاً ونبضاً ومعانٍ كثيرةٍ تتفَجَّرُ منها رغم سكونِها وثباتِها فوقَ صفحتِها البيضاء 

الفارِق بين اللغةِ العربيةِ الفُصحَى والعامية , تماماً كالفجوةِ بينَ إنسانٍ عاقلٍ مُتَّزِن يتعاملُ مع الآخرين بحذرٍ وأخلاقٍ رفيعة , وبينَ شخصٍ أخرقٍ أرعن لا يدري كيف يتحكَّمُ في أفعالِه وتأثيرها علي المحيطين به ... العامية أسهل في الاستخدام والتعبير , دارجة وتتناقلها ألسُنُ الجميع , بينما الفُصحى نادرةٌ غاليةٌ مصونة لا يطالُها إلا من يستحقُّ الاستمتاع بكل حرفٍ فيها ويعي تماماً قواعدها وكيفية العناية بها 

الفُصحى , هي تلك القصيدة الساحرة , التي تأخذك معها لعالمٍ آخر , تتخاطَبُ فيه القلوبُ والمشاعر, وتُنسيكَ عذوبتُها صَخَبَ الحياةِ المُزعِجة وضوضاء الكلمات المُستَحدَثَةِ الركيكة المُتَدَنّية ... الفُصحى , هي السطور التي تسبحُ بينها في هدوءٍ غامر , هَرَباً من قسوةِ وجفاء العامية السطحية , ونجاةً من سيطرتها ومحاولات تشويهها لكل المعاني الجميلة, الباقية ... الفُصحى , هي الكيانُ الصامد الذي يأبي أن يموت

فدوى نزار


Tuesday, November 5, 2013

زي النهاردة .. من سنة



كنت في المطار في طريقي للكويت ... أول مرة أسافر منغير حد من أهلي ... كنت حاسة بحاجات مختلفة .. مبسوطة بالتجربة , ومستعدة للتحدي , قلقانة , خايفة , مترقّبة , ومش عارفة إيه اللي ممكن يحصل بعد ساعتين - لما أوصل الكويت

رضوى سرّي

طبيعي أول حد هافتكره في الموضوع دة ... رفيقة الطريق في المشروع وفي البيت .. ما كُنّاش أصحاب قبل السفر (علي أد السلامات والحوارات العابرة) كنت خايفة ما نندمجش سواء في الحياة أو الشغل
مش عارفة إزاي وإمتي اتعوّدنا علي بعض !! بسرعة حسيت كإننا عايشين سوا من زمان
مانساش لما كنا بايتين في الشغل , وأنا دخلت أنام في المسجد ساعتين (عشان أشحن) وكنا في عز البرد .. ورضوى جت تطمن عليا , وغطتني بسجادة الصلاة .. أد إيه فعلا وقتها كنت محتاجة أحس بالدفء والحنان
المشروع عدّى بحلاوته وغلاسته , لكن اللي اتبقي لحظاتنا الجميلة , وسهرنا بالليل مع بعض نرغي ف كل حاجة , خروجنا مع بعض كل يوم , ركوب العَجَل والبحر (الخليج) .. الفطار اللي رغم إني مش بحب أبدا أفطر لكن كان أساسي نصحي كل يوم نفطر سوا ونشرب شاي باللبن .. صلاتنا جماعة في الشغل والبيت , يوم الجمعة بتاع الغسيل والمسح العالمي , كل تعليقاتك وهزارك اللي لسة فاكراهم لحد دلوقتي
بجد يا رضوى حبيتك في وقت قصير أوي ... عايزاكي تعرفي دايما إن فيه واحدة في مكان ما في العالم بتحبك ودايما لما بتفتكرك بتضحك من قلبها وبتتمنى لك الخير

مامة رضوى سرّى

مش هاينفع أقول حاجة عن طنط , لأن الكلام كله مش كفاية يعبر عن امتناني للي عملته معايا .. رغم إنها ماتعرفنيش قبل كدة, لكن شالت همّي في الغُربة زي رضوى , مش عارفة يا طنط منغير حضرتك كنت هاعمل إيه .. ربنا يجازيكي خير علي كل حاجة

ماما وبابا وشادي وسارة وميار - عشان أسيل ما كانتش اتولدت لسة

طبيعي جدا إن الواحد يكون بيحب أهله , ومن كُتر ما هوة طبيعي .. ما بقيناش حاسين بيه !! اتعوّدنا عليه , فأصبح حب فاتر تقليدي ... لما سافرت وعشت لوحدي , اكتشفت إني بحب أسرتي الصغيرة أكتر مما كنت أتخيل .. عرفت بالتجربة العملية معني الوحدة , معني إنك فعلا تبقي مشتاق تشوف ناس معينة وتسمع أخبارهم .. حسيت بقسوة إن حد بتشوفه كل يوم , وفجأة تبعد عنه .. وحسيت بحجم السعادة لما أعرف إني راجعة حتي لو أجازة قصيرة
من ضمن فوائد السفر , إعادة إشعال جذوة الحب والروابط الأسرية .. ربنا يخليلي حضن أهلي ويخليهم ليا كلهم (بما فيهم أسيل اللي ربنا وفقني ورجعت مصر قبل ما تتولد بأسبوع) ربنا يبارك فيها و ف ميار ويجعلهم ذرية صالحة بارة وسبب في دخول أهلهم الجنة

سكايب وفايبر

طبيعي جدا أبقي ممتنة لحاجات خلتني أقدر أشوف وأكلّم كل الناس اللي واحشيني .. مش عارفة منغير التكنولوجيا كنت هاقضي فترة السفر والغُربة دي إزاي ... مانساش يوم ما كلمت "هبة" علي سكايب وشغّلنا الكاميرا , وكنا قاعدين نضحك (لأننا بنتكسف أصلا من موضوع الكاميرا دة) .. صحيح شغلناها دقائق معدودة , لكن كانت كفاية بالنسبة لي عشان أشوف هبة اللي كانت واحشاني جدا واللي كنت متعودة أشوفها كل يوم واللي كنت بفتقدها في معظم أحداث حياتي في الكويت وكان نفسي تكون معايا هناك

في الكويت , رغم إن كل الفترة اللي قضيتها هناك كانت 5 شهور , لكن عشت فيها حاجات كتير أوي , وجرّبت تقريبا كل الأحاسيس اللي ممكن تمر علي الإنسان في عمره كله ... سعادة وحزن وتحدي وصبر ووحدة ومرض ونجاح وغضب ويأس وتفاؤل ومثابرة ... وعرفت فيها ناس كتير .. وكمان عرفت ناس علي حقيقتها .. الغربة بتظهِر معادن الناس الحقيقية ... فيه ناس هافضل دايما أفتكرهم بكل خير , ناس جدعان أوي .. وناس تانية كنت فاهماهم غلط واكتشفتهم متأخر ...وناس من اللي ماكانوش معايا , عرفت أد إيه بحبهم وأد إيه فراقهم صعب جدا ومؤلم ... حتي لو في مصر مش بنتقابل كل يوم , بس مش قلقانة لأني عارفة إني أقدر أشوفهم بسهولة , لكن لما سافرت , بقيت حاسة بالبعد عنهم جداَ ... وأد إيه كنت محتاجة أشوفهم وأتكلم معاهم .. الناس دي هيا اللي بتعدل ميزان حياتي بمجرد وجودهم فيها

الغربة صعبة فعلا , بس مدرسة ... وعايزة أقول للناس اللي فاكرة إن البعيد عن العين بعيد عن القلب ... غلطانين
إذا لم يُزِدكَ البُعدُ حُباً , فإنكَ لم تُحبّ حقاً

فدوى نزار

Thursday, June 13, 2013

شادى



صانع البهجة في بيتنا ... فالضحك هو عنوان كل جلساتنا وأحاديثنا ونقاشاتنا , حتي الجادّ منها
هو أول أصدقائي في هذا العالم ... رفيق دربي , وشريكي في كل جرائم ومغامرات الطفولة
لا يوجد حدثٌ في حياتي إلا وكان معي فيه ... ولا أذكر قراراً أخذه هو أو أخذته أنا ولم نفكر فيه معاً
حنون وعاطفيّ لدرجة أننا حين كنا أطفالا , كان يصالحني دائما حين نتشاجر .. حتي لو كنت أنا المخطئة
كنا نشجع بعضنا علي كل شيء , وكل الخطوات .. حتي المصائب
حين سافر شادى للدراسة (كان طالباً مغترباً) .. شعرت باختفاء البسمة فجأة من منزلنا .. وكنت أنتظر إجازاته المتباعدة لكي أسمع حكاياته المرحة التي تجعلني غير قادرة علي التنفس من كثرة الضحك 
أكثر من أصابني بالهلع (رغم أني فتاة رابطة الجأش) .. كنت أنا وأمي وحدنا في المنزل وقد خرج للدرس في المرحلة الإعدادية حين طرق أصدقاؤه باب منزلنا بهستيرية لنفتح ونجدهم جميعاً وفي نفس واحد يقولون : شادي "داسته" عربية .. لنهرع أنا وأمي دون تفكير للشارع تاركين باب المنزل مفتوحا علي مصراعيه نركض خلف زملائه الذين يقودونا لمكان الحادث لنكتشف (ولله الحمد) أن السيارة خطت فوق قدمه وأن الموضوع أسفر فقط عن تورم قدمه لعدة أيام ولكنها (جت سليمة , وربنا ستر) وأصبحنا "نستوضح الأمور" قبل الشروع في الركض في الطرقات 
أخي الذي زارته المدرسة بأكملها حين أصابه التهاب الكبد الوبائي (فيروس إيه) في يومه الأول من المرحلة الثانوية ... وكانت أول مرة أري أخي بهذا الشكل من الإعياء (لأنه اعتاد مواجهة المرض واقفاً) وكم تألمت من أجله وهو يضطر لأكل الطعام دون ملح ولا سمن وأنواع محددة من الطعام لا تسمن ولا تغني من جوع
أول من أتحف معدتي المسكينة بالأطعمة الملوثة من العربة والتي رغم إصابتي بالتسمم الغذائي في كل مرة إلا أنني لم أتوقف أبداً عن مشاركته فيها والاستمتاع (اللحظي) بمذاقها الرائع رغم أضرارها

لن أستطيع بالطبع سرد عمر بأكمله في عدة سطور .. لكن شادي أخي الوحيد ... هو الحب الأبدي الذي أدعو الله أن يديمه عليّ وأتمني له وهو علي عتبة أول أيام عامه الثلاثين أن يجعل الله تعالي كل أيام حياته سعادة وبهجة كما أسعدنا دائما , ويوفقه ويبارك له في زوجته وبناته, ويجعل ذريته صالحة بارة , ويبارك له في رزقه وعمله وبيته, ويرزقه التقوى , ويرضى عنه

فدوى نزار

Friday, May 17, 2013


ليتشي


اللي في الصورة فوق دة .. صديقي "ليتشي" .. جبته من المركز العلمي في الكويت

سر ارتباطي ب ليتشي , مش بس إني من ساعة ما شفته , فِضِل ف دماغي كذا يوم لحد ما قررت أشتريه ... لكن كمان لأني يوم ما اشتريته , كان أحد الأيام القاسية جداً في حياتي المعاصرة ... كنت حاسة بوحدة قاتلة , وكنت يومها خارجة لوحدي بتمشي علي الخليج هرباً من كل حاجة في الدنيا ... هربا من الروتين والشغل والناس والغُربة .. وكنت كل ما أبص لمياه الخليج علي مرمي البصر .. أحس أكتر بالوحدة , وكل ما أمشي مسافة أطول أشعر بوحشة الطريق وأبقي خايفة أرجع , وفي نفس الوقت مش عايزة أرجع .. عايزة أستمر أهرب لحد ما أنسي حدود الزمان والمكان ... لحد ما ألاقي نفسي ...., أو أنساها

وأثناء الرحلة عديت علي المركز العلمي , وافتكرت البطريق الجميل اللي شفته هناك , وجبته فعلاً وحسيت كأنه رفيق الدرب ... كنت مبسوطة بيه جداً ..

لما باجي أخرج دلوقتي , بيبقي نفسي آخده معايا .. زي أي طفل بياخد معاه عروسة أو دبدوب في أي مشوار يروحه ... أنا مش عارفة الأطفال بيعملوا كدة ليه (لأني عمري ما حبيت اللعب بالعرايس والدباديب .. كنت بميل أكتر للألعاب النارية من مسدسات وديناميت وبمب) .. لكن حاليا .. عايزة آخد ليتشي معايا عشان أحس إن معايا صديق عمره ما هايسيبني ولا يزهق مني ولا يزعل من حاجة قلتها أو عملتها لحظة انفعال ... عمر اهتماماته وهواياته ما هاتتعارض مع اهتماماتي وهواياتي , .. و دايماً هالاقيه جنبي وهاحضنه لما أحتاج قدر من الحب أو الحنان

لكن ترجع حدود الزمان والمكان تفرض عليا "كواحدة طويلة عريضة ممتدة" إني ماينفعش أمشي ببطريق في الشارع زي العيال ... ما ينفعش واحدة في سني يكون ليها صديق خيالي جامد لن يبادلها أي شيء ... فقط وجوده في عالمها هايفرق معاها .. لكن الآخرين هايشوفوها مجنونة

فدوى نزار

Wednesday, May 15, 2013

كلمة .. صورة .. وما وراءهما


ليس كل ما تقرأ صادق ... وليس كل ما تري واقع

لا أدري كيف كنت سأصمد في هذا العالم بدون الكتابة ... فالورقة هي العالَم الذي أُبحِرُ فيه بقلمي كي أنجو من ضغوطٍ وأحداثٍ قد تفتك بي إذا لم أجد متَنَفَّساً ينتشلني من براثنها ... حتي أن إنتاجي الكتابي كان يصل لقِمَّته أيام الامتحانات أو ضغط العمل أو الأحداث الحزينة في حياتي ... بل إن أفضل ما كتبت كان في أكثر الأوقات قسوة وألماً واكتئاباً ... قد يكون السبب أن الإنسان بطبعه يكون في تلك اللحظات أكثر حساسيةً من غيرها , وبالتالي مشاعره أكثر هشاشة وعُمقاً , وتأثره بما حوله أقوي , فتصبح قدراته علي التعبير في أبهي صورها , وقلمه يتحرك علي الصفحة البيضاء بمرونة ونشاط وثقة أكثر من أي حالات أخري

المُدهِش في الأمر .. أن ما يكتب قد لا يعكس إطلاقا ما يشعر به !! فأحيانا كنت أكتب سطوراً مليئة بالتفاؤل والحماسة رغم غرقي في الإحباط والحزن ... أو أكتب عن المعاناة والألم رغم وجودي فوق قمة السعادة !! ... الموقف بحذافيره يتلخص في مؤثر خارجي (سواء سلبي أو إيجابي) يدفعني بكل قوة للإمساك بقلمي وترك العنان له كي يكتب ما يريد ... كأنما أطلقت جواداً - غير مُدَرَّب - في غابةٍ مترامية الأطراف .. يذهب فيها حيث يشاء , ويسلك أي طريقٍ تأخذه أقدامه إليه ... لا يعرف إلي أين يريد الوصول ولا توجد لديه حدود للزمن ... تختفي كل العوامل من حوله , فيصبح العالم كله هو الورقة والبطل الوحيد هو القلم , وبعد انتهاء الموقعة .. تنظر للورقة فتجد أشلاء حروفك مبعثرة علي أرض المعركة تاركةً ما قد لا يمت لشعورك بصلة ... لكنها فقط تدع جزءاً منك يخرج علي تلك الورقة ليريحك ولو لبرهة من إرهاق الحياة بحلوها ومرارتها

والمفارقة , أن "المتلقي" حين يقرأ كلاما كتبه شخص آخر , فهذا يعني أن الكاتب قد قرر مشاركة ما خطّه مع الآخرين ... وهذا في حد ذاته قد يعني أن ما كتبه ليس التعبير "الصريح" عما يريد أن يقول ... عن تجربة ... حين يعجز قلبي وعقلي عن احتجاز مشاعري , وألجأ إلي وريقاتي كي ألقي ما في جعبتي علي كاهلها , وأكتب ما أرغب في قوله دون مواربة , فإن هذه الوريقات لا تغادر مساحتي الخاصة أبداً ولا أشاركها مع أحدٍ قط ... فهي كمن يتحدث إلي نفسه ... أما الكلام العام , فيخرج للآخرين وتتم مشاركته ونشره وتداوله ... بالطبع يكون أيضا كلاماً صادقاً , لكنه لا يحتوي علي الحقيقة الكاملة ... أو قد تكون الحقيقة مخفية عمداً بين طيات الكلام ... لا يفهمها من "يقرأ" لكن يفهمها من "يشعر" بما يقرؤه

بالضبط كأي صورة نراها لمجموعة من الأفراد ... جميعهم يضحكون .. جميعهم يظهر عليهم المرح ... لكن خلف كل ابتسامة مرسومة تكمن مئات المشاعر التي تحاول الاستتار عن طريق تلك الابتسامات ... نعم هي ابتسامات صادقة , لكنها غير معبرة


الكتابة , زي التصوير .. الاتنين بيخلّدوا ذكرى معينة ... الكتابة بتحكي حكاية لكن الصورة بترسمها ... الكتابة مش شرط تجسد الحقيقة , يمكن تخبيها بين السطور... , زي الصورة , اللي بتشوفه فيها مش بالضرورة يكون حقيقي ... سواء الكتابة أو الصور .. الاتنين محتاجين حد يحس , يقرا بين السطور ويفهم لغة العيون عشان يقدر بجد يعرف الحقيقة

فدوى نزار

Sunday, May 12, 2013

الغِناء

لن أتطرّق للجانب الديني , أو ما تحمله الأغاني من لهو الحديث و المعازف 

لكن من واقع كوني أحب الكلمة المكتوبة , فإني أري أن الغناء ماهو إلا جريمة في حق الشعر ... اختزال لقصيدة معينة , في بعض الأبيات المنتقاة عشوائيا لتناسب اللحن "المُفَصَّل" خصيصاً لإجبار المستمع علي الشعور بما لم تستطع الكلمات ولا صوت المغني إيصاله له ... لتتحول مشاعر إنسانٍ مُرهف وعصارة قلبه ودموعه وتجاربه وسعادته من قصائد تتفجر بما تحمله من انفعالات , إلي شيء مُبتَذَل "يدندنه" شخص ما في إحدي "دورات المياه" مثلا

فبدلا من قراءة الشعر , وإطلاق العنان لخيالك لتصوّر مدي البلاغة في كل بيت تقرؤه  وسفرك إلي عالم آخر يحملك إليه كل حرف تنتقل إليه عيناك والموسيقي الخاصة بك التي تؤلفها وتستمع لها وحدك وبطريقتك علي سُلّم الوزن الذي قدّمه إليك الشاعر ... بدلا من انفرادك بتجربتك المُبتَكَرة , أصبحت مُكرَهاً علي تخيل صوت "نجاة الصغيرة" في كل مرة تحاول فيها التساؤل "متي ستعرف كم أهواك يا رجلا أبيع من أجله الدنيا وما فيها" كما تساءل نزار قباني ... بل وتقفز إلي أذنيك مأساة تغيير كلمة "رجلا" بكل سذاجة إلي كلمة "أملا" ... وكل هذا تصحبه موسيقي مستفزة لا تليق أبداً بمستوى القصيدة

نفس الجريمة الشنعاء التي ارتكبتها أم كلثوم في حق أبي فراس الحمداني وحق اللغة العربية حين غيرت "بلي" إلي "نعم" في "بلي أنا مشتاق وعندي لوعةٌ ولكن مثلي لا يذاع له سرٌّ" ... ليس فقط للجَهل البيّن الذي قلب المعني رأساً علي عقب , ولكن مَن مِن البشر يملك العَبَث بمشاعر الآخر وعذابه وأفكاره ... من يعطي لشخص ما الحق في تزييف إحساس شخص آخر  ... ناهيك عن كون أغاني أم كلثوم تبدأ بعد مقطوعة موسيقية مُبالََغ في طولها تجعلك تنسي أي قصيدة ستغني بل وتفقد اهتمامك بأي كلمات ستُقال

والأفدح أثراً وما أخشاه , أن يأتي زمنٌ تختفي فيه أبيات كاملة من القصائد لمجرد أن كاظم الساهر عجز عن تلحينها فقرر حذفها من أغانيه  .. فأصبح "الحب المستحيل" يخلو من " أحبُّكِ جداً وأعرف منذ البداية بأني سأفشل , وأني خلال فصول الرواية ساُقتَل , ويُحمَلُ رأسي إليكِ .. وأني سأبقي ثلاثين يوماً مُسَجَّى كطفلٍ علي ركبتيكِ وأفرحُ جداً بتلك النهاية " ... وأصبحت حين أرغب في قراءة القصيدة و أبحث عنها علي صفحات الشبكة العنكبوتية فلا أجد سوي النسخة المُغتالة علي يد كاظم ولا أجدها إلا بعد رحلة بحث مضنية تساهم في زيادة قتامة وجهة نظري عن الأغنية كمبدأ

مفهومي عن الأغاني وما ترتكبه في حق الشعر , هو نفس مفهومي عن ما ترتكبه الأفلام في حق الروايات المكتوبة ... كلاهما قَتلٌ للخيال والإبداع والمشاعر , وتزييف للحقائق ووضع سجون علي عقول المتلقي تمنعه من الغوص في عالمه الخاص


فدوى نزار

Sunday, March 24, 2013

أبي



منذ بدأت رحلتي مع الكتابة في المرحلة الثانوية , وأنا أرغب في الكتابة عن أبي ... وفي كل مرة أشرع فعلاً في تنفيذ هذه الرغبة , أعجز تماماً بكل ما تحمله كلمة العجز من معان ... فلا أجد الكلمات المناسبة ولا أستطيع تكوين الجُمَل التي تصف ما في رأسي بشكل صحيح , بل بالأحري , لا تستطيع مشاعري أن تتحول إلي حروف أسطرها في مقالة أو علي ورقة

نعم أعلم يقيناً أن الكلمات وموهبة الكتابة أفقر من أن تصف أغلب المعاني العميقة , وبالرغم من ذلك فأنا أحاول قدر الإمكان استخدام قدرات كلماتي المحدودة كي أعبر عما أرغب فيه في بعض السطور ... وغالباً يعينني الله علي توصيل أفكاري ... أفكاري التي لا أستطيع الآن تجميعها أو صياغتها أو ترويضها وجمع شتاتها من كل أيام عمري كي أتمكن من الكتابة عن أبي

وكيف أضع قرابة الثلاثة عقود من عمري في عدة كلمات .. من أين أبدأ وإلي أين سأنتهي , وماذا سأقول

أبي ... الوحيد في هذا العالم الذي أشعر إلي جواره بالأمان الحقيقي , وبالحماية , وبأنني لست مضطرة إلي تحمل مسئولية نفسي والاعتماد عليها كما أفعل دائماً .. فمع أبي أعود دوماً إلي كوني طفلة مدللة يمكنها القيام بأي شيء مهما كانت خطورته لأنها تعلم أن أباها سيحميها ويدافع عنها وينتصر لها (في حالة قيامها بأي مصيبة أو كارثة) .. أجد في حضن أبي كل ما أحتاجه من دفء وحنان أفتقده أثناء دوراني مع عجلة الحياة العملية الجافة ... أشعر حين أفكر في اتخاذ أي قرار مهما كان مصيرياً , أني سأجد الدعم الكامل من أبي وسيؤيدني ويعينني , بل وسيشجعني لو علم فيه خيراً لي ... أتذكر حتي أحلك الأوقات حين كنت أغضب من دراستي مثلاً فيقول لي أن لا داعي لأن أدخل امتحانات هذا العام لأن المهم فقط راحتي النفسية وصحتي (وبالطبع أمام هذا التدليل لم يكن يسعني سوى دخول الامتحان بل والتفوق أيضاً حتي لا أضيع سنة من عمري وحتي أكون مصدراً لسعادة أبي وفخره) .. وأذكر أيضا حين أسأم من العمل وأشكو لأبي فيقول لي "اتركي العمل وأنا سأدفع لك راتبك نفسه , لأن هذا العمل يرهقك ويجور علي ما تبقي لك من صحة" ... أغوص في ذاكرتي فأجد أبي الذي يسهر معي للصباح فقط لكي يسمعني أبكي له من أشياء طفولية , ولكنه يأخذها علي محمل الجد ويحتضنني ويضحي بما بقي له من سويعات نومه قبل ذهابه للعمل فقط لكي يساعدني علي إفراغ هموم صدري ... أذكر ذهابي معه لعمله ومشاهدتي لهذا الصرح الضخم (محطة الكهرباء) ورغبتي أن أكبر لأصبح مثل أبي ... وهو ما اكتشفت بعد أنه مجال الهندسة

أشاهد سنوات عمري أمامي , فأجد أبي الذي لا أذكر مطلقاً أن رفض لي طلباً أو أخّر لي رغبة أياً كانت , كل ما كان يعبأ به أن يجعلني سعيدة , ... نعم لم أشعر أبداً أن تدليل أبي لي أفسدني , بل علي العكس , زاد من تحملي للمسئولية لما كان يتضمنه من إعطائي قدراً كبيراً جداً من الحرية ... فبإمكاني الذهاب حيث أشاء والتعامل مع من أريد في أي وقت طالما يثق في قدرتي علي التمييز بين الصواب والخطأ ورجاحة تصرفي في مواجهة أي موقف يمكن أن أتعرض له

حين كان أبي يدخن (قبل أن ينعم الله عليه ويخلصه من تلك العادة القاتلة) . وكان يأتي رمضان , وكأي مدخن يكون في قمة العصبية قبل أذان المغرب ... لم يكن أحداً ليجرُؤ علي الاقتراب من أبي سواي ... لعلمي يقيناً أنه لن يغضب مني ولن يعاملني بأي طريقة سوي حبه وحنانه الدائمين ... بل في بعض الأحيان حين كان أحد أفراد أسرتنا يرغب في اقتراح أي شيء علي أبي , ويخشي المواجه , كنت أنا الخيار الدائم لفتح الحوار مع أبي ... فهو يقبل مني ما يمكن أن يرفضه من الآخرين , وأنا أري في كل تصرفاته طيبته اللانهائية مهما كانت ردود أفعاله

أبي ... ما أطيب هذا الرجل ... فأبي يشعر بالآخرين ويتألم لألمهم ويبذل كل ما في وسعه لتخفيف أحزانهم ... فهو قد يجور علي نفسه واحتياجاته وصحته من أجل الآخرين , ويسعد حين يتمكن من مد يد العون لغيره , ولا توجد في قاموسه كلمة "لا" لو طلب منه أي شخص أي شيء في أي وقت ... فأبي الرجل الذي تجده إلي جوارك وقتما احتجته

كانت أكثر أيام حياتي قسوة , حين بدأ أبي يعمل في محافظات بعيدة أو حتي خارج مصر ... كنت دائماً أمرض حين يسافر أبي , ولا أشفي إلا حين يقطع عمله ويعود للاطمئنان عليّ ... وكنت دائماً أعلم أنه سيأتي , لأني أهم عنده من عمله ... بالطبع لم أكن أمرض بإرادتي , ولكني كنت أطمئن حتي رغم عجز الأدوية عن علاجي , لأنه بعد عدة ساعات سيعلم أبي بمرضي ويأتي سريعاً وسأشفي حين أراه .... نعم حين كبرت أعتدت علي سفر أبي المتكرر , بدأت أجبر نفسي علي تقبل أن صديقي الوحيد في هذا العالم لديه مسئوليات أخري غير البقاء بجانبي , وأصبحت أدرك أني يجب أن أقاوم ما يؤدي إليه حزني من أمراض عضوية , ولن أستسلم لتأثير نفسيتي علي جسدي حتي لا أزيد من الضغوط علي أبي لأني أعلم أنه يحزن عليّ ويتعب أكثر مني لرؤيتي مريضة ... أصبحت أكثر احتمالاً من ذي قبل , أفتقد أبي كل مرة يسافر فيها وكأنها أول مرة , ولكني أكثر فهما للحياة الآن وأكثر قدرةً علي الاستيعاب ... وأعلم أيضاً أن أبي دائما معي حتي لو سافر بعيداً وأنه حتماً سيأتي لو احتجته مهما كانت الظروف 

أبي الذي كان يأخذني "للفُسحة" في أي مكان أتمناه لأني أخبره أن لا أحد يرغب في الخروج معي , فيقضي إجازته في التنقل معي من مكان لآخر بدلا من أن يأخذ قسطا من الراحة ... أبي الذي حتي رغم بلوغي من العمر أرذله , كان يعود من عمله ليجدني يكاد يغشي عليّ من الإرهاق والضعف فيأخذني للمشفي ويقود السيارة رغم أدويته التي تحذر من القيادة أثناء استخدامها , ويظل يخبرني مراراً وتكراراً أن أهتم بصحتي وبطعامي وألا أجهد نفسي لأني أصلاً ضعيفة 

أبي هو الوحيد الذي أشعر معه أني "فتاة" وأن ظروف الحياة التي جعلتني في بعض الأحيان أقوى من الرجال , لن تجبرني وأنا جواره أن أظل قوية صلبة , بل إنني أعود طفلة مدللة عابثة , ترتمي في حضن أبيها بحثا عما حجبته الحياة عنها من أمان وحماية وحب ... بل إن أبي أحيانا يكون سبباً في رفضي لمبدأ الزواج , ليقيني أن لا أحد أبداً سيجبني ويرعاني ويخاف عليّ ويدللني مثل أبي , فلم أترك كوني أميرة أبي لأذهب وأكون أسيرة غيره

وحين كبرت وسافرت للعمل , مع كل ليلة لسفري كان يزيد مرض أبي ... ولا أحد سواي يعلم أن مرضه بسبب ابتعادي عنه , تماماً كما كان يحدث معي حين يسافر هو , لأنه لا أحد غيرنا يدرك مدي ارتباطنا وتعلقنا ببعضنا , ولا أحد يعلم أن أبي هو سر بقائي وسر سعادتي وسر ثقتي بنفسي وجرأتي ... لا أحد غيري يعلم أن كل ما يتولد لدي من حب أو حنان مصدره أبي , وكل ما يظهر عليَ من طيبة , هو جزء من طيبة أبي ... و كل خطوة أخطوها أستند فيها علي أبي

فأبي هو كل شيء

حفظك الله لي يا أبي , وأسأل الله أن يشفيك ويدخل علي قلبك السعادة التي تدخلها علي قلبي


فدوى نزار

Thursday, March 14, 2013

أمي





مع اقتراب "عيد الأم" يبدأ الجميع في التفكير في الهدية المناسبة لأمهاتهم .. لا أدري تحديداً هل يعتقد الأبناء إن تلك الهدية ستوصل للأم المقدار الحقيقي لتقديرهم لها ... هل ستدرك أنهم حقاً يشعرون بقيمة وجودها في حياتهم ... وهل تشعر بتقديرهم طوال الوقت أم فقط يوم عيد الأم الذي لا يأتي إلا مرة واحدة في العام

السؤال الأكثر إلحاحاً عليّ في هذه الأيام ... هل ندرك نحن كأبناء القيمة الحقيقية لأمهاتنا , ومدي تأثيرهن في تفاصيل حياتنا ؟؟ هل نقدّر حقاً هذا الدور , أم أننا فقط نتبع التقاليد الشكلية ونحضر لأمهاتنا هدية كما يفعل الجميع بغض النظر عن إحساسنا بدورهن

والإجابة المرعبة , التي لم أعرفها إلا منذ قرابة الخمسة أشهر ... أننا لا نعلم علي الإطلاق ولا نُقَدِّر ما تفعله أمهاتنا إلا حين نفارقهن لأي سبب


حين سافرت , وأصبحت فجأة أتحمل مسئولية كل شيء حولي , إعداد الطعام , التنظيف المستمر , غسل الملابس والأواني , الحفاظ علي الشكل الآدمي للمنزل , حتي الاهتمام بالتخلص من القمامة , التركيز مع كل الخامات المطلوب وجودها في المنزل وشراء ما يلزم قبل أن نعاني من فقده (كأبسط الأشياء مثل ملح الطعام علي سبيل المثال) ... وحتي مسألة أن أعود في ساعة متأخرة من الليل بعد يوم عمل شاق فلا أجد الطعام الذي أعدته أمي في انتظاري , بل أصبح في مواجهة حلين أحلاهما مر , فإما أنا أنام جائعة , أو أتناسي إرهاقي وتعبي وأعد لنفسي الطعام وأنتظر نضجه كي آكله وأغسل الأدوات التي استخدمتها وأزيل آثار العدوان من علي المنضدة ثم أهرع للحاق بما بقي من سويعات قليلة كي أنامها قبل الشروع من جديد في الدوران بحلقة العمل اللانهائية ... أدخل غرفتي فلا أملك رفاهية إلقاء ملابسي علي حافة السرير ومعرفتي المسبقة بأن أمي ستأتي إن آجلا أو عاجلا لتأخذها وتغسلها وأجدها في اليوم التالي نظيفة مرتبة في خزانة الملابس في انتظاري كي ألبسها وأعيد الكَرّة من جديد وكأن أمي ليس لديها ما يشغل بالها سوي الركض وراء مظاهر الفوضى التي أخلفها في كل مكان أذهب إليه ... الآن أصبح من واجباتي أن أرتب ملابسي بنفسي وأغسلها وأنشرها وأطويها وأضعها في الخزانة , ولا أتركها ملقاة بلا اكتراث علي السرير لأني أعلم أن لا أحد سيأتي ليأخذها , ولا أحد غيري سيحمل عبء تنظيفها وتنظيمها ... أستيقظ في الصباح , فلا أستطيع ترك فراشي مفضوض وأغطيتي مبعثرة , ولا أجد من أجادل معها في مبدأ أن لا جدوى إطلاقاً من إعداد الفراش بشكل يومي , طالما أني سأنام فيه مرة أخري ليلاً وسأبعثره من جديد , فلا حاجة بي لتعذيب نفسي في الصباح كأسطورة (سيزيف) الذي تسقط منه الصخرة عند قمة الجبل فينزل ليحملها ويصعد بها مجدداً كي تسقط مرة أخري وهكذا , طبقا لحكم الآلهة عليه (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) وأذهب لعملي كي أعود آخر اليوم فأجد سريري مرتباً نظيفاً تغطيه مفارش جديدة قد وضعتها أمي دون جدال أو صخب... اليوم أصبح لزاماً عليّ أن أستيقظ وأرتب فراشي وأنظمه صاغرةً كي تحتفظ غرفتي بشكلها الذي عودتني أمي عليه , وأتذكر طفولة الجدال في الباطل وأني أصبحت الآن أعلم أن السرير ينبغي أن يظل مرتباً حتي لا أدخل غرفتي في المساء وكأنني أعود من معترك العمل لأرض معركة لا لغرفةٍ من المفترض أن أرتاح بها نفسياً وبدنياً ...أقوم من سريري , فلا أجد إفطاري ينتظرني علي المنضدة , وأمي تحاول بكل الطرق إقناعي بجدوى وجبة الإفطار , والركض من خلفي في كل الغرف وهي تحمل كوب الشاي باللبن والطعام كي لا أتذرع بضيق الوقت , فهاهو الطعام لن أبذل فيه أكثر من مجهود فتح فمي وابتلاعه ... يأتي اليوم الجديد وأفتح عيناي , بعد أن ضبطت ساعتي كي توقظني قبل موعدي بوقت كافٍ كي أعد لنفسي وجبة الإفطار التي لا أستطيع الصمود في يوم العمل الطويل بدونها , وأكتشف أن الطعام لن يركض خلفي ولن يبذل أحد محاولات مضنية لإغرائي كي أتناول الطعام , بل إن عليّ أن أختار بين الجوع أو تحمل مسئولية الإفطار يومياً دون كلل أو ملل ... ينتهي الأسبوع فلا أملك متعة الاستيقاظ متأخرة يوم إجازتي , لأني الآن أدرك أن المنزل لن ينظف نفسه تلقائياً , ولن تحمل أمي عبء تنظيف كل شيء بعناية , ولن تكون كبرى مسئولياتي هي ترتيب غرفتي فقط (بعد التذمر طويلاً والتعلل بأني حتي يوم الإجازة سأعمل في المنزل , وكيف يكون ظلم الإنسان لأخيه الإنسان , وأني عدت لزمن سندريلا من جديد) ... الآن أصبحت أستيقظ باكراً يوم الإجازة كي أقلب المنزل رأساً علي عقب قبل أن تفترسني أتربة الأسبوع كله , لأكتشف أيضاً إن تنظيف المنزل يندرج تحت طائلته كنس ومسح كل شبرٍ فيه , وإزالة الغبار من الأركان , وتحريك السجاجيد والموائد والكراسي كي أنظف تحتها بعد أن أكون قد نظفتها جميعاً كي لا تعيد نشر الأتربة علي الأرض ... ينتهي معظم النهار في عملية التنظيف , فلا أذهب للعب أو الاستمتاع , أو الخروج , بل يجب أن أذهب للسوق كي أشتري احتياجات المنزل التي لم تشتريها لي أمي وأعود لأغسلها كلها , وأضعها في أماكنها في الثلاجة , وأجهّزها كي لا أبذل مجهوداً في طهيها ... تلك المهمة التي كانت تنجزها أمي أسبوعياً وتصعد علي أقدامها حاملة أثقالاً اشترتها من السوق , وتصل المنزل لا لترتاح بل لتبدأ معركة الغسل الجيد للطعام ووضع كل شيء في مكانه وتجهيز الخضروات وترتيب الفاكهة في شكل لائق للتقديم , كي أستيقظ أنا لأجد الفاكهة علي المنضدة فآكل منها دون أدني تفكير في كيفية وصولها وإعدادها , بل وأذهب للمطبخ فآكل البازلاء التي فرطتها أمي بدلا من بذل عناء تفريطها لنفسي !! غير عابئة بمعاناة أمي في تجهيزها من أجل وجبة الغذاء المُنتَظَرة .... أنتهي من موقعة السوق والتجهيز , لأجد اليوم قارب علي الانتهاء ولم أعد الطعام بعد , فأخرج من الفخ للآخر , فالطعام بالنسبة لي , لم يكن سوي طبقي المملوء بما لذ وطاب من أطعمة أحبها قامت أمي بعملها لي خصيصاً بعد أن سألتني ماذا أحب أن آكل في وجبة الغذاء وعرضت عليّ الاختيارات المختلفة وقررت أنا ما أرغب فيه لأجده بعد قليل في انتظاري علي سفرة الغذاء ... فكل علاقتي بإعداد الطعام كانت الاختيار من القائمة التي تعرضها عليّ أمي وكنت أحياناً أترك لها حيرة اتخاذ القرار فلا أشترك سوي بتناول الطعام !! ... الآن أقف حائرة في المطبخ , لا أعلم ماذا سأعد اليوم .. وإذا قررت شيئاً ما فهل لدي كل مكوناته أم أني سأضطر للنزول مجددا لشراء ما نسيته ولم أضعه في حسباني ... وإذا قررت , وتوافرت المكونات , فهل أعلم طريقة الطهي أم أني يجب أن أتصل بأمي كي تخبرني كيف أعده ... ينتهي اليوم ... وأضع جسدي علي السرير , لأكتشف مدي الألم في ظهري بعد يومٍ واحد من العمل المنزلي , لأدرك وقتها أن آلام ظهر أمي لا يشعر بها أحد غيرها , ولاتشكو منها لأحد , ولا تتذمر إطلاقاً من تلك المهام التي تقوم بها يومياً ليس فقط في الإجازات

والأكثر مرارةً , حين مرضت ولم أقوَ علي الحراك , وعجزت عن وضع ذلك المرهم علي ظهري كما كانت تفعل أمي , ولم أجد من يعد لي تلك الوجبة الساخنة التي تأتي بها لي في السرير , ولم أجد من تطمئن عليّ مئات المرات في الليل وتمنعني من عمل أي شيء حتي أشفى ... شعرت ذلك اليوم بأمي التي تقوم بكل شيء لنا رغم مرضها , ونحن لا نقوم معها بنفس دورها , بل لا نشعر من الأساس بكونها مريضة , لأنها لا تلزم الفراش , ولا نقوم حتي بعمل الحساء الساخن لها , لأنها بالفعل تكون قد أعدت لنا الطعام , ولا نقوم في الليل لنطمئن عليها لأنها أساساً كانت آخر من يذهب للنوم بعد الاطمئنان علينا جميعاً  ,


أعود من العمل , فلا أجد من تسألني "كيف كان يومك" لأبدأ أنا في سرد همومي لها , ولا أبادلها حتي نفس السؤال في كيف كان يومها في العمل , أحكي لها وأشكو لها ولا أسمعها !! .. أعتبره أمراً مسَلَّما به أن تكون الأم هي من تسأل عن أحوال أبنائها , ولا أسأل نفسي ما إذا كانت تحتاجني كي أسمعها أم لا

أصبحت الآن فقط أدرك أني لن يكفيني عمري بأكمله كي أعوض أمي عن لحظة واحدة من حياتها أهدرتها علينا , لن أستطيع إعادة إحدي متع الحياة التي تنازلت عنها من أجلنا , لن أستطيع استعادة أي موقف كان يجب عليّ إراحتها فيه ولم أفعل ,... لكني علي يقين الآن , أني يمكن أن أخبرها أني "أخيراً" أُقَدّر ما فعلته وتفعله من أجلي ... الآن فقط أعلم قدسية الدور الذي تلعبه في تفاصيل حياتي .. وأدرك جزءاً من حجم معاناتها معي طوال عمري ... وأعلم يقيناً أنها ستسامحني , بل إنها من الأساس لم تشعر بمدي تقصيري لأنها تفعل كل ذلك دون انتظار المقابل أو التقدير من جانبي , بل تفعل ذلك فقط لأنها أمى

عيد الأم , ليس أبداً احتفالاً بالأم , ولا يكفي لإبداء التقدير لها .. وبالنسبة للأبناء فكل يوم في وجود أمهاتنا عيد , وكل لحظة نقضيها في جوارهن وعنايتهن , هي نعمة من الله ينبغي علينا شكره عليها ما حيينا , ولهذا لن أنتظر الحادي والعشرين من الشهر كي أعبر عن مشاعري لأمي , بل يجب أن يكون العمر كله احتفالاً بها 

أمي ... كم أفتقدك وأدعو الله أن يجمعني بك قريباً إن شاء الله , بل إني أعدّ الأيام الباقية لي هنا , كي أعود لمنزلي بين أبي وأمي وأهلي , وأعود لأتدلل عليك من جديد وأشعر برفاهية وجودك معي , مع الفارق الجديد , أني الآن أدرك كل ما تعانيه من أجلي ... وأدعو الله أن يبقيكِ دوماً لي ويعينني علي إيفاء حقوقك ورعايتك

أحبك يا أمي


فدوى نزار